صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

315

شرح أصول الكافي

الوجه التفصيلي الّذي يراه أهل الحكمة بالعين المنور بنور العقل ، وكلا الوجهين صحيحان ثابتان في الواقع لكن الأول الطف واشرف وأعلى . ومثال ذلك كما في الحد والمحدود ، فان حقيقة الانسان حقيقة واحدة وله اسم واحد ووجود واحد وحقيقة واحدة مختلفة وهي الحيوان الناطق ، والحيوان عين البدن المحسوس الظلماني المؤلف من الأعضاء والجوارح ، والناطق عين الجوهر العقلي النوراني البسيط ، فإذا تصورت في الانسان الّذي هو مثال الحق ومعرفته نموزج من معرفة الله هذين الوجهين من الوحدة والكثرة من غير تناف بينهما ، فاجعله مقياسا لمعرفة بارئك ونزوله في مراتب الكثرة وظهوره في مظاهر الأكوان وبروزه من مكامن الحدثان . وقوله : ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك ، قد مر شرح معناه ووجه لميته من أن الصادر منه تعالى بالذات في كل معلول وقابل هو الخير والحسن والسعادة ، واما الشر والقبح والسوء والشقاوة فإنما هي من نقصان المعلولية وقصور القابل . وبهذا التحقيق يندفع ما ربما يختلج ببال من ليس ذا بضاعة كثيرة في العلم وامعان شديد وخوض تمام في معنى أحاديث أئمتنا عليهم السلام من التنافي والتناقض فيها ، حيث إن في كثير منها الحكم بان افعال العباد كلها منسوبة إليه تعالى من الوجه الّذي هي منسوبة إلى العبد كما مر تحقيقه ، وفي كثير منها ان المعاصي من العبد لا من الرب تعالى . فمن ذلك ما يروى ان أبا حنيفة اجتاز على موسى بن جعفر عليهما السلام فأراد أبو حنيفة امتحانه فقال المعصية ممن ؟ فقال له موسى الكاظم عليه السلام : اجلس حتى أخبرك ، فجلس أبو حنيفة بين يديه فقال له الكاظم عليه السلام : لا بد أن تكون المعصية من العبد أو من ربه تعالى أو منهما جميعا . فان كانت من الله وهو اعدل وانصف من أن يظلم عبده الضعيف ويؤاخذه بما لم يفعله ، وان كانت المعصية منهما جميعا فهو شريكه والقوى أولى بانصاف عبده الضعيف ، وان كانت المعصية من العبد وحده فعليه وقع الامر وإليه توجه النهى وله حق الثواب والعقاب ووجبت له الجنة والنار .